أحلام
  الآنتقال الى   
   أعداد سابقة  
 
المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
رياضــــــــــــة  
اقتصــــــــــاد  
مساحـــــة رأى  
اخبــــار العالم  
حوادث و قضايا  
برلمان  
السكوت ممنوع  
زى النهارده  
فنون  
أخيرة  
منوعات  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  يوم ويوم
  معاً
  على فين
  وجدتــهــا
  وجوه على ورق

الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


أحلام

  بقلم   عزالدين شكرى فشير    ١٦/ ٤/ ٢٠١٨

جلس مندوب الجريدة القومية الكبيرة فى صالون بيتنا فى شارع الثانوية بالمنصورة فى صيف ١٩٨٣ وسألنى: ما هو هدفك فى الحياة؟ لم أكن قد أتممت السابعة عشرة، ولم أتوقع أن يسألنى صحفى عن حياتى، لكن نتيجة الثانوية العامة التى وضعتنى بين أوائل الجمهورية هى السبب فى ظهور الصحفيين ببيتنا وتوجيه هذه الأسئلة. فكرت لحظة ثم اقترحت عليه التجاوز عن السؤال. استفسر عن السبب فأجبت بهدوء أنه لن يستطيع نشر الإجابة. استنكر، وصمم أن أجيب، فقلت فى هدوء: «تغيير نظام الحكم فى مصر». صمت الجميع لحظات، ثم سأل الصحفى أمى إن كنت عضوا بالـ«جماعات»، فابتسمت فى هدوء هى الأخرى وقالت: «أبدا، هو كده لوحده». التفت مندوب الجريدة لمساعده وقال بلا اكتراث: «اكتب: هدفه فى الحياة الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية»!

لماذا يحلم شاب فى السادسة عشرة بتغيير نظام الحكم فى مصر؟ شاب عادى من أسرة عادية، لا علاقة له بالسياسة، ويعيش فى مدينة صغيرة بلا حياة عامة ولا حتى كتب إلا ما ألقته الأقدار فى طريق سكانها كيفما اتفق؟

الإجابة بسيطة، لكنها مهمة. فهذا الشاب لم يتم «تلقينه» هذه الجملة، لا ذهب إلى صربيا فى معسكرات التدريب على الديمقراطية، ولا حضر مؤتمرات للتوعية بحقوق الإنسان، ولا شارك فى ورش عمل للتنمية المجتمعية، ولا كان عضوا فى جماعة إسلامية، بل لم يكن حتى عضوا فى نادٍ. فكيف وصل لهذه النتيجة وحده؟

لأنه رأى بعينيه وفكر بعقله، مثل كل أقرانه. فرض عليه أساتذته فى المدرسة تنحية عقله جانبا وترديد ما يلقى عليه دون جدال، مثل كل أقرانه، وضربوه حين رأوا ذلك واجبا، مثل كل أقرانه، وحين حاول الدفاع عن حريته وحقه اكتشف- مثل كل أقرانه- أنه تحت سطوة منظومة متكاملة وممتدة من المدرس الواقف فى الفصل إلى وزير التعليم القابع فى مكان لا يمكنه الوصول إليه، وأن هذه المنظومة يمكنها أن تهرسه هو وأى طالب آخر يخرج رأسه عن المكان المحدد لها.

رأى، وفكر، مثل بقية البشر، وفهم أن المشكلة ليست فى هذا المدرس أو ذاك، ليست فى ناظر الثانوية العسكرية ولا فى ضباطها، وإنما فى المنظومة التى جعلت هذا القمع الفكرى والوجدانى جزءا أساسيا من العملية التعليمية وأفرغتها من محتواها الأصلى- الذى هو تنمية المعارف والعقل والوجدان وإطلاق الملكات وصقلها. فهم ألا جدوى من الصراع مع الأستاذ أو الناظر أو العقيد. فالمشكلة أكبر منهم جميعا: المشكلة فى النظام.

رأى بعينيه وفكر بعقله وهو واقف بالساعات فى طابور العيش، يوما بعد يوم. وهو يستذكر دروسه فى ضوء «الفانوس» (الاسم الشيك الذى أعطته أمه للمبة الجاز)، وهو ينظر إلى مبنى «قصر الثقافة» غير المكتمل عاما بعد عام، وهو يمر أمام حوض السباحة الفارغ الذى ينتظر إصلاحا لا يجىء، وهو يرقب التعاون بين «الدلالات» وموظفى الجمعية بينما يغض الناس النظر، وهو يبحث عن الكتب ولا يجدها إلا لو سافر للقاهرة، عن مسرحية يشاهدها فلا يجد إلا لو سافر للقاهرة، وهو يعبر بحيرات المجارى والطين التى تحتل الشارع فى طريقه للمدرسة، وهو يقرأ الصحف ويسمع نشرات الأخبار مع الكبار الذين يسخرون من تدليسها بلا أمل، وهو يرى الفقر المدقع والغنى الفاحش، رأى وفكر أن كل هذه أعراض مدخل علاجها واحد، وهو تغيير المنظومة التى تفرزها.

نظر الفتى حوله وقرأ كتب التاريخ، حتى كتب التاريخ المدرسية- ورأى أننا فشلنا فى تحقيق كل ما أردنا تحقيقه. برر القائمون على الدولة سلطويتهم بضرورات التنمية ومواجهة إسرائيل. ثم فشلوا فى التنمية وقبلوا بإسرائيل واستمرت السلطوية. نجح غيرنا بدون سلطوية، ونجح غيرنا بسلطوية لكنهم توجوا نجاحهم بالتخلص من السلطوية لأنهم فهموا أن حقوق الناس أيضا مهمة وأن بناء نظام ديمقراطى جزء من التنمية. وبقينا نحن نغوص فى الفشل وندعى النجاح. وليس لهذا الفشل المزمن إلا تفسير واحد: إما أننا مصابون بمرض وراثى وإما أن نظام تشغيل الحياة العامة- أى نظام الحكم- يحتاج للتغيير. وبما أن الفتى لا يجد فى نفسه مرض، ورأى مصريين وعرب ناجحين فى العالم كله، فقد استقر فى وعيه أن سبب الفشل هو نظام الحكم. هذا ما يجب تغييره.

لم يتطلب توصل الفتى لهذه النتيجة عبقرية خاصة ولا تنظيم سياسى. ليست رغبته فى تغيير نظام الحكم محاولة لهدم الدولة بل لإنقاذ حياته وحياة من حوله. ليس حلمه هذا جزءا من مؤامرة أجنبية، ولا حتى نتيجة أفكار مصدرها أجنبى بل نتيجة تفكير بسيط يجرى فى عقول كل الشباب. كان هذا عام ١٩٨٣، حين كانت الصحف ثلاثا والتليفزيون قناتين. لم يكن هناك فضائيات، ولا إنترنت، ولا «بى. دى. إف». لم يكن سور برلين قد سقط ومعه الاتحاد السوفيتى وأوروبا الشرقية وشمولية الدولة، ولم يكن الكونجرس قد بدأ إقالة كلينتون لأنه كذب، ولم يكن الفلسطينيون قد أجروا انتخابات شهد العالم كله بنزاهتها رغم الاحتلال، ولم تكن ثورة «ركب الشعب» فيها على الحكام قد قامت فى مصر. احسب أنت الفارق بين وعى هذا الفتى ووعى ابن السادسة عشرة اليوم، تصل لتقدير جيد لحجم الطلب على تغيير نظام الحكم فى مصر وأسبابه.

لم يحقق الفتى حلمه بتغيير نظام الحكم فى مصر، بعد. حقق الهدف الذى اخترعه له الصحفى: التحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. وكل ما درسه من وقتها حتى اليوم، سواء فى مجالات السياسة أو الاقتصاد السياسى أو القانون والإدارة العامة، يشير لنفس النتيجة: مفتاح إصلاح الحال فى مصر هو تغيير نظام الحكم. أى تغيير طريقة الحكم ومنهجه لا أشخاصه. الاقتصاد يعتمد على إطار الحكم السائد. التعليم، القضاء، الإعلام، حقوق الناس، كل جوانب الحياة العامة تعتمد سلامتها وصحتها على سلامة وصحة نظام الحكم. والباقى تعرفونه.

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :












Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt