وحيد حامد يكتب مقالاً فى قصة: تحت الكوبري
  الآنتقال الى   
   أعداد سابقة  
 
المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
رياضــــــــــــة  
اقتصــــــــــاد  
مساحـــــة رأى  
اخبــــار العالم  
حوادث و قضايا  
برلمان  
السكوت ممنوع  
زى النهارده  
فنون  
أخيرة  
منوعات  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  يوم ويوم
  معاً
  على فين
  وجدتــهــا
  وجوه على ورق

الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


وحيد حامد يكتب مقالاً فى قصة: تحت الكوبري

       ١٦/ ٤/ ٢٠١٨

أحمد فتحى عبدالرحيم الرهوان.. وشهرته أحمد الرهوان..

حاصل على درجة الماجستير فى القانون، ومعروف عنه أنه شخص مهذب ولطيف وأحياناً يكتب أبيات الشعر، وهو عاطل شأنه شأن غيره من شباب هذا الجيل البائس الحزين.. وهو حريص على التواجد فى مظاهرات حملة الماجستير فى شارع قصر العينى أمام الشارع الذى يفضى إلى مجلس الشعب ومجلس الوزراء.. يعرف تماماً عدم جدوى ما يفعله ولكنه حريص على القيام به إيماناً منه بأنه يطالب بحق مشروع ومساندة لزملائه رغم أن هذا الأمر ليس سهلاً بالنسبة له، فهو يأتى من قرية صغيرة فى وسط الدلتا مسافراً كل يوم مستخدماً أكثر من مواصلة حتى يقف غاضباً وساخطاً مع الساخطين.. وعندما تنفض المظاهرة يعود إلى قريته ويدخلها مع دخول الليل.

وهو من بيت ميسور الحال وأسرة مشهود لها بالطيبة وحب الخير ولها مكانة بين الأهالى وهو نفسه يتمتع بنفس السمة وهو فارس القرية وزينة شبابها باعتباره أول من يحصل على شهادة عالية بهذا الحجم، وهو خدوم محب للناس لا يتأخر فى تقديم المساعدة من أى نوع.. عيبه الوحيد أنه يدخن، بيشرب سجاير!!.

(١)

هو لا يحب البقاء فى الدار بعد خروج الأب والأخ الأكبر إلى الحقل.. وهو يريد أن يخرج معهما ويعمل معهما ولا يرى فى ذلك حرجاً أو انتقاصاً من قدره، إلا أن رفض الأب كان قاطعا وحاسما لهذا الأمر، قائلاً له:

- أنا مكنتش بعلمك واصرف عليك السنين دى كلها.. علشان فى الآخر تمسك إيد فاس ولا تمشى ورا جاموسة..!!.

وهو يكره البقاء فى الدار مع النساء.. أمه وزوجة أخيه مع عيالها بالإضافة إلى أخته الأرملة التى مات زوجها فى عز شبابه، حيث تبدأ أعمالهن المنزلية التى لا تنتهى أبداً.

أيضاً لا يحب الجلوس على المقهى المتواضع والموجود عند أطراف القرية الذى لا يرغب فى مجرد السير فى طريقه وحتى الذهاب إلى المسجد فى أوقات الصلاة يبتعد قدر الإمكان، والسبب أن كل من يراه لابد أن يسأله عن أخبار الوظيفة..!!.

الوظيفة التى طال انتظارها ومازالت بعيدة، فأوراقه مقدمة إلى كل الجهات التى يمكن أن يكون له فيها مكان، بداية من الشهر العقارى وحتى وزارة الخارجية، وما أكثر الاختبارات التى حضرها، وأبلى بلاء حسناً سواء فى التحريرى أو الشفهى، ولكن الخطاب المسجل والذى يحمل خبر الأخبار، الخبر الذى يبدل الأحوال ويصنع الفرحة فى داخله ويجعل كل نساء الدار تطلق الزغاريد.. لا يريد أن يأتى أبداً..

وأصبح يضيق بكل عبارات التعاطف معه التى يسمعها من أهل القرية رجالاً ونساءً وكلها تنوعات على نغمة واحدة.. اصبر وما صبرك إلا بالله.. إن شاء الله ربنا هيكرمك.. أنا بدعيلك فى كل صلاة، انت طيب وأبوك طيب وبإذن الله رزقك هيكون طيب.. اوعى تزهق كل شىء بأوان.. خلى أبوك يبيع قيراطين أرض تشترى بيهم واسطة جامدة توظفك.. وبعضهم ينصحه بالذهاب إلى المشايخ وزيارة الأضرحة.. هو يعلم أنهم صادقون فى قولهم وغير ساخرين ولكنه لا يقبل بذلك ويتولد لديه إحساس بالمرارة، وصار الأمر ثقيلاً على عقله وقلبه فهو ليس بحاجة إلى كل هذا العطف حيث يرى أنه صاحب شأن ولديه كبرياء ومشحون بالطموح المشروع وربما تكون هذه الأسباب هى الدافع الحقيقى لتواجده فى قلب مظاهرة حملة الماجستير كعنصر فاعل ومؤثر.

ضاقت نفسه.. وضاقت الدار الفسيحة عليه.. بل القرية كلها أصبحت لا تطاق بالنسبة له، فكلما سار فى طرقاتها يحس أن كل العيون تراقبه ولا أحد يريد أن يتركه فى حالة، وإنما هناك دائماً من ينكشه متسائلاً: أخبار الوظيفة إيه؟!!.. سؤال يجرحه كأنه طعنة سكين.. ومن الأمور التى زادت من همه وغمه مسألة النقود التى يسحبها من الأب والأم وأحياناً من أخته الأرملة الشابة.

نقود يحصل عليها وهو يعلم أن أهله فى أمس الحاجة إليها، ينفقها على شراء السجاير وتكاليف السفر دون مراعاة أن حال الأسرة قد تغير وأنها على وشك أن تفقد نعمة الستر بسبب زيادة عدد أفراد الأسرة بالإضافة إلى تكاليف الحياة مع ثبات الدخل.

دخن كثيراً.. حرق علبة سجاير كاملة وهو يفكر فى كيفية الخلاص من هذا الوضع المحير والمربك.. لو كان متهوراً فإنه سوف ينطلق فى الصحراء التى تفضى إلى ليبيا ويحدث ما يحدث.. أو يلقى بنفسه فى أى قاع مركب صيد حيث يذهب به إلى الشاطئ الآخر.. ولكن فى داخله قوة هائلة تربطه بالأرض والناس وحتى الحيوانات والزرع وأشجار التوت والمياه التى تتدفق فى رافد النهر..!! آه.. رافد النهر.. وكأنما وجد الحل الأمثل والخلاص المؤقت وأفضل وسيلة للاختفاء والابتعاد عن كل الأعين أو أكثرها على الأقل.

هى صنارة وطعم و«صيد السمك غية» وقبعة من القماش على رأسه.. يلقى بالصنارة فى الماء الذى يتأمله فى شرود مفكراً فى حاله وحال الناس وأحياناً تأتيه ملكة الشعر فيجد بعض الأبيات ولكنها لا تستقر فى ذاكرته فيدرك عدم أهميتها، أو بتعبير أدق عدم أصالتها، ولكنه يفرح ويندهش عندما تغمز الصنارة، وتعتريه لهفة مفاجئة وهو يجذب الصنارة إلى أعلى وهى محملة بسمكة كبيرة كان من الممكن جداً أن تبتلعها سمكة أكبر.. ولأن الهدف هو الاختفاء نهاراً وليس الحصول على أى سمك فقد طاب له الأمر وابتعد تماماً عن كل أنواع الإزعاج حتى أصبح الصيد بالنسبة له عادة يومية ومسلية.

(٢)

ألقى بالصنارة فى الماء فى انتظار أى غمزة وهو يتطلع إلى المياه العابرة أمامه فى كسل، ولكن لم تحدث أى غمزة فى هذا اليوم، وكأن المياه خلت من السمك.. أو أن المسك أصبح لا يعيش فى الماء.. ولكنه لم يحفل كثيراً بهذا الأمر.. فهو شارد فى ملكوت الله ومشاكل صرف معاش زوج أخته الذى رحل مبكراً، وبينما هو على هذا الحال وإذا بضجة كبيرة أعلى الشاطئ على الطريق العمومى.. فى البداية لم يهتم، وفجأة سمع صوت إطلاق رصاص متلاحق وشىء ما يسقط من أعلى على رأسه ويسقط فى حجره، وعندما تحسس رأسه واطمأن إلى سلامته تفقد هذا الشىء فإذا به «فرشة» حشيش.. ولما كانت تأتيه من أعلى أصوات شجار وهيصة غير مألوفة فقد ترك الصنارة فى الماء وترك فرشة الحشيش راقدة فى مكانها وصعد إلى أعلى متفقداً الأمر.. كان «البوكس» الخاص بالشرطة والذى يستقله ضابط المباحث فى تنقلاته وكبساته يطارد «توك توك» حاول الإفلات، وعندما رأى أن راكب «التوك توك» هو «عبود الغزال»، تاجر المخدرات بالقرية المجاورة، أدرك بالفطنة أن صاحب «فرشة» الحشيش التى سقطت فوق رأسه تخلص منها هذا الشقى بأن قذفها على طول يده عندما أدرك أنه لا مفر ولا مهرب.. ظل فى مكانه متأملاً المشهد الساخن الذى يدور أمامه.. حيث انطلق «عبود الغزال» فى زعيق وصراخ.

- هى الحكومة عاوزة منى إيه؟.. الحكومة مالها ومالى.. أنا راجل فى حالى.. أنا بكسب لقمتى بالحلال.. أنا عندى دكان.. أنا....

بينما ضابط المباحث الشرس «تامر عنتر» يلاحقه بالرد على كل عبارة بعبارة موجزة: وحياة أمك.. وهو يواصل تفتيشه مع ما تيسر من الصفعات والركلات، وكانت عملية التفتيش حادة ودقيقة حتى إنه نزع عنه ملابسه بالكامل ما عدا ما يستر العورة، وعندما لم يعثر معه على شىء تملكه الغيظ وأحرق الملابس وتركه عارياً وهو يتوعده.

وعندما عاد أحمد الرهوان إلى صنارته ومحله المختار تفقد «فرشة» الحشيش من جديد.. إنها جسم الجريمة.. لو قدمها إلى الضابط الشرس هذا فربما يتهمه بالحيازة ويلبس هو القضية.. والضابط همه الأول أن يصنع قضية.. ولو أعادها إلى «عبود الغزال» فإنه يرتكب معصية ويشارك فى الشر.. وفكر وكاد أن يأخذ القرار وينفذ ويلقيها فى الماء لتذهب حيث شاءت.. ولكنه تراجع فى اللحظة الأخيرة.. إنه يدرك ويعلم أن هناك من يتلهف على قطعة حشيش فى حجم الذبابة يلفها فى سيجارة وبعدها يعاشر زوجته على أنها عشيقته.. إن فى يده الآن ثروة لا يمكن التضحية بها.. وغمزت الصنارة غمزة فى عمق الماء.. وغمزة فى رأسه..

ولم لا؟.. وتأمل المياه التى تنساب أمامه فى كسل مردداً: ولم لا؟!.. وتذكر جملة الحوار الشهيرة فى فيلم العار.. «إذا كان حلال أدينا بنشربه.. وإذا كان حرام أدينا بنحرقه».

وفى طريق العودة فى ضوء ما بعد المغرب الرمادى اشترى علبة السجاير.. وفى داخل حجرته أغلق الباب على نفسه وبدأ فى إعادة صياغة وتجهيز علبة السجائر بعد حشوها حشواً جيداً بالحشيش الذى سقط عليه من أعلى.. ولم يشعل أى سيجارة ولو على سبيل التجربة.. لقد فضل الانتظار حتى الصباح حيث المكان الآمن على الشاطئ.. والحياة التى تجرى أمامه فى انسياب كسول.

(٣)

استقر فى مكانه المختار.. وتدلت الصنارة فى الماء.. وتحسس علبة السجائر المفخخة وراوده شغف التجربة الأولى ثم توكل على الله وأخرج أول سيجارة وأشعلها.. كان يسحب الدخان ولا يستعجل فى طرده أو نفخه حتى يحصل على أكبر فائدة.. وعندما يدفعه من داخل فمه برفق وهوادة حتى إن الدخان ينتشر فوق سطح الماء بفعل الهواء، ومع أول سيجارة والتى مرت بسلام أعجبته الرائحة، وأدرك الفارق فى طعم الدخان.. ومع السيجارة الثانية غمزت الصنارة وأخرج أول سمكة فى حجم كف يده وهذه بداية طيبة جداً.. مع السيجارة الثالثة حدثت المعجزة فإنه لا يكاد يلقى بالصنارة فى الماء حتى تلتقط سمكة فى نفس اللحظة، حتى إنه أسقط الصنارة فى الماء دون طُعم فخرجت إليه بسمكة.. ومع السيجارة السادسة شاهد سمكات البياض وهى تخرج من العمق وتقفز فوق الماء وترقص فى تشكيلات بديعة لا يقدر عليها إلا راقصات الباليه، وعندما امتد بصره إلى الشاطئ الآخر وجد أنه اختلف تماماً.. زهور متنوعة الألوان واستولت عليه النشوة تماماً، حيث إنه أطلق صوته بأغنية عاطفية أخذ يرددها هامساً.. ورأى فتاة جميلة ورشيقة تجمع الأزهار والأكثر من ذلك أنها أشارت له باسمة.. واستكمالاً لكل هذه النعم رأى قارباً يأتى من بعيد زاحفاً على سطح الماء وبداخله رجل واحد لم يتبين ملامحه بعد، ليكن ما يكون.. لابد أنه من هذا العالم كثير الرزق.. كثير الجمال.. كثير الروعة والمشبع بالدهشة.

اقترب القارب أكثر وأكثر.. فى بداية الأمر ظن أن صاحبه «صائد سمك» سيلقى عليه السلام ويشاركه بعض الحديث.. ولكنه عندما تحقق وأيقن من شخصية صاحب القارب والذى يتجه إليه مباشرة.. سقطت السيجارة التاسعة من يده فى الماء وأصابته رعشة وهتف..

- السيد الرئيس!!

وإذا بالرد يأتيه فى عتاب حزين...

- انت بتشرب حشيش يا أحمد؟

اهتز وارتعش وتلعثم..

- دا مش حشيش سعادتك.. دا.. دا.. دا..

وإذا بالرجل صاحب القارب يستمر فى عتابه..

- مفيش فايدة فيكم يا مصريين.. أول الواحد فيكم ما يمسك عشرين جنيه فى إيده يشترى بيها علبة سجائر.. عارفين يا مصريين إنتوا بتشربوا معسل وسجاير وبانجو وحشيش بكام..؟ مليارات.. والله العظيم مليارات.. والبلد محتاجة كل جنيه.

ثم نظر إلى السمك الوفير الذى جمعه أحمد الرهوان قائلاً:

- البلد مليانة خير.. هتعمل بالسمك ده كله إيه يا أحمد..

ولأن أحمد الرهوان دماغه عمرانة وخلايا المخ فى حالة توهج فقد كانت الإجابة السليمة تماماً حيث هتف لتوه..

- هتبرع بيه لصندوق يحيا الوطن يا سيادة الرئيس..

همس الرئيس وهو يجلس على حافة القارب.

- أنت مواطن صالح.. إنت عارف إنى جاى لك مخصوص..؟!

همس وهو يرتج ويرتعش..

- هو سيادتك تعرفنى يا أفندم.. دنا فى البلد دى محدش واخد باله منى ولا حد شايفنى أصلاً.. ولا..

قاطعه صاحب القارب قائلاً:

ــ أنا الرئيس وعارف عنك كل حاجة.. إنت من بتوع مظاهرات حملة الماجستير.. وفرشة الحشيش اللى عندك فى البيت بتاعت عبود الغزال.. واللى لسه ما تعرفوش إن أمك عترت عليها وعرفت إنها حشيش وقاعدة تلطم..

بهت أحمد الرهوان من جديد وهتف:

ــ حقا إنك السيد الرئيس..!!

وهنا قال له الرئيس بهدوء وروية..

ــ أنا جاى لك مخصوص يا أحمد..!! أنا مش عارف أعمل لكم إيه يا مصريين..؟

ربنا سبحانه وتعالى خلق لكم عيون علشان تشوفوا بيها.. إزاى مش شايفين، كفاية قوى إنى خلصتكم من حكم الأشرار حصل والا محصلش يا أحمد يا رهوان..؟

وكان من الطبيعى أن يرد على تساؤل السيد الرئيس، ولكن وعلى ما يبدو أن تأثير المخدر على خلايا المخ نتج عنه من الشحنة ما دفعته دون أن يدرى إلى الفضفضة والعفوية.. قال أحمد الرهوان:

ـ أن يأتى السيد الرئيس بكل هيبته ومكانته العالية والرفيعة إلى مواطن مخنوق بالضيق حطمته المشاكل وضيق الرزق وفحش الأسعار ويأسه من إصلاح يسأله لماذا أنت على هذه الحالة.. فإن ذلك فخامة الرئيس أمر جلل وعظيم يستحق الاحترام والتبجيل.. واسمح لى أن أفرغ ما فى داخلى على أن تعطينى الأمان.. واندهش الرئيس، وربما غضب قائلاً:

ــ كلام إيه دا يا أحمد يا ابنى البلد كلها فى أمان.. وأنا لو حاسبت الناس اللى بتتكلم كلام غير مسؤول فى الحالة دى وزارة الداخلية تقبض على تلات تربع البلد.. قول يا أحمد اللى نفسك فيه..

بعد أن حصل على الأمان انطلق أحمد.

ــ لقد قضيتم على حكم الأشرار وليس على الأشرار، الدنيا كلها تعلم أن الزعامات الكبيرة منهم فى السجون وهم خاضعون لمحاكمات طويلة لا تريد أن تنتهى ويبدو أنها لن تنتهى إلا بوفاتهم أو هروبهم لا قدر الله، ولكن تشكيلات الأشرار وخلاياهم متواجدة فى أماكنها، منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو تحت الأرض ونشاطهم مستمر بقدرات فاعلة، وهم فى الوزارات والمصالح والهيئات القضائية والشركات، والأخطر من ذلك أنهم مازالوا بين الناس يدمرون ويفسدون ويخربون وأيضاً يقتلون ويحرقون وسيادتكم يعلم أنهم حريصون على السرية والتظاهر بأنهم مظاليم ومساكين.

وجد الرئيس فى قوله بعض الصدق أو كل الصدق فقال:

ــ شوف يا أحمد الأجهزة الأمنية فى البلد عارفه مين أشرار ومين مش أشرار.. إحنا بنمسك اللى يرتكب جريمة أو يخالف القانون.. لكن متقدرش تقبض على أى حد من غير تهمة نص عليها القانون.

وهنا هتف أحمد الرهوان..

ــ إذاً احتلال أهل الشر مازال قائماً..

ولم يعلق الرئيس وإنما اكتفى بهزة رأس، وهنا سأل أحمد من جديد؟

ــ والسلفيين يا فندم..؟!

ــ ما لهم السلفيين..؟

ــ يا سيادة الرئيس خلال الأربع سنوات الفائتة صارت للسلفيين دولة.. دولة عدوانية تدفع بالمجتمع دفعاً قوياً إلى التخلف والتشدد والجهل، وتسعى إلى تغيير الهوية المصرية وطمس معالمها وتعلن فى وقاحة عداءها الشديد للإخوة الأقباط وتحاربهم فى العلن والخفاء، وهذا أمر يفتت وحدة البلاد، ويسير بنا إلى الهلاك والدمار.. فإذا كانت جماعة الإخوان أخرت تقدم البلاد سنوات وسنوات وحاربت الفكر المستنير، فإن الدولة السلفية النامية تسعى لاحتلال مكانة جماعة الإخوان مع نشر الأفكار الوهابية الداعشية المخالفة للدين، مع الإفراط فى العنف ضد الأقباط دون عقاب بقانون أو بغير قانون، وهذا أمر لا يجد الناس له تفسيرا، وهم يعملون على نشر النقاب اليهودى فى أنحاء البلاد، حتى أصبح عدد النساء المنتقبات أكثر من عدد التكاتك..

ورفع الرئيس يده مكتفيا بما سمع وقال كلمة واحدة..

ــ القانون.. القانون وبس.. عاوزك تفهم..

أحس الشاب وفهم وأدرك أن السيد الرئيس لا يريد الحديث فى هذا الشأن أو أنه ليس على مزاجه، قانون إيه مع السلفيين..؟ إذا كان القانون عندهم غير معترف بيه.. ولكن لأن أحمد الرهوان راسه ناشفه ويريد أن يعرف وهذه فرصته فلن يقابل الرئيس فى كل يوم يخرج فيه بصنارته وتوكل على الله واستجمع كل ما لديه من شجاعة وهمس بسؤاله فى أدب:

ــ هو إحنا دولة إيه بالضبط..؟

رد الرئيس فى حزم..

ــ وضح كلامك..؟

يعنى يا فندم إحنا دولة مدنية ولا دولة دينية.. ولا دولة عسكرية..؟

ــ هو الدستور بيقول إيه..؟

ــ دولة مدنية..

ــ وإنت شايف إيه..؟

ــ شايف إنها دولة دينية عسكرية..

هنا ظهرت علامات عدم الارتياح بل الغضب على ملامح السيد الرئيس وقال بلهجة جادة وحاسمة..

ــ إنت فاهم غلط يا أحمد يا رهوان..؟

(٤)

ــ عبود الغزال..

ليس بالمجرم الأهطل حتى يفقد «فرشة» حشيش تقدر بآلاف الجنيهات بسهولة، ولا سيما أنه تاجر تجزئة يبيع بالربع والتمن، وأحيانا بالتعميرة بعد موجة الغلاء التى ضربت البلاد، وعليه فإنه عندما تخلص من «الفرشة» أثناء مطاردة ضابط المباحث له بأن قذف بها إلى الشاطئ كانت يده تحسب قوة الدفع وتقدرها بحيث تسقط وتستقر على أرض الشاطئ بين النباتات العشوائية، ولا تصل إلى المياه أبداً وعليه فإنه فى اليوم التالى للمطاردة وبعد هدوء الأحوال وانصراف ضابط المباحث عنه، قرر العودة إلى مكان الحادث لاستعادة بضاعته الغالية.. وتسلل فى حذر وهبط من أعلى الجسر قاصدًا المكان الذى يتوقعه لوجود البضاعة وإذا به يتوقف متجمداً فى مكانه لمدة لحظات كأنه تمثال من خشب.. لم يصدق ما يرى.. فرك عينيه ونفر فى الهواء نفرة وأخرى حتى يتأكد أنه تمام.. السيد الرئيس بنفسه يجلس على حافة القارب، وفى حديث مع أحمد ابن الحاج رهوان..! مفاجأة..! معجزة..؟!.

الرئيس شخصياً فى هذه القرية الصغيرة..؟ وفى السر..؟ عاد أدراجه قفزاً وفى هرولة وارتباك عاد إلى القرية زاعقا.. الرئيس فى البلد يا ناس يا هوه.. وظل يعدو فى هوس وهو ينادى معلناً هذا الخبر الخطير حتى ظن عقلاء القرية أن عبود الغزال قد تناول الكثير من بضاعته وتفرجوا عليه ضاحكين، إلا أنه استمر فى عدوه حتى استقر أمام دوار العمدة وهتف بأعلى طبقات صوته:

ــ الرئيس فى البلد يا حضرة العمدة..

ونهض العمدة من على مائدة طعامه ساخطاً وهو يتمتم..

ــ هو ناقص الحشاش بياع الحشيش..!!

وخرج إليه زاعقاً بكل ما لديه من سلطة:

ــ الرئيس..؟ أى رئيس يا ابن المركوب..!!

ــ هو إحنا عندنا كام رئيس يا عمدة.. هوه رئيس واحد والكل عارفه.

ولما كان العمدة لديه العقل والحكمة، بحيث يتعامل مع مثل هذه المواقف فقد سأل عبود الغزال برفق:

ــ فين سيادة الرئيس يا عبود؟

ــ تحت الكوبرى..

أصابت العمدة حالة من الفزع.. معقولة الرئيس تحت الكوبرى..؟! وهتف بداخله آه يا ابن الجزمة قسماً بالله لأخليك عبرة لكل خلق الله.. وأخليك تركب حمار بالمقلوب وأزفك فى البلد.. وصرخ فيه.. قدامى ورينى الرئيس اللى تحت الكوبرى..!!

ولكن كان هناك من هو أسرع فى الوصول إلى تحت الكوبرى إنه مجدى الأسمرانى، وهو من أهم شخصيات القرية ومن أعلامها وهو يعرف كافة المسؤولين فى المحافظة وصولاً إلى السيد المحافظ شخصياً رغم أنه لا شغلة ولا مشغلة، فقط يجيد النفاق والتملق، خاصة أنه شاعر ركيك يؤذى عباد الله بأشعاره.. وهو حريص على أن تكون له مع كل مسؤول صورة ويوهم أهل القرية بأنه شخص واصل ومقرب.. «مجدى الأسمرانى» هذا كان الأسرع فى الوصول إلى تحت الكوبرى، وقبل أن يتحقق من أن رجل القارب هو الرئيس أم لا.. أطلق أشعاره.. يا مرحبا.. يا مرحبا.. نورك غلب الكهربا.. وعندما اقترب أكثر وتأكد أنه الرئيس فعلاً، نظر إلى أحمد الرهوان فى استخفاف يصل إلى حد الازدراء قائلاً:

ــ إوعى تكون عكرت مزاج السيد الرئيس يا جدع إنت..؟!

ونزل إلى الماء بملابسه حتى يلامس القارب ويصافح الرئيس والكلمات تخرج من فمه كأنها خارجة من خرطوم عربة مطافئ.. يا أحسن من أنجبت مصر..!! يا محب الفقراء.. يا معين الغلابة.. يا بطل يا جسور يا منقذ يا زعيم.. يا شامخ ويا مهاب.. ما شئت ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار.. هنا صرخ أحمد الرهوان صرخة نمر أصابه سهم..

ــ حرام عليك يا مجدى.. ارحم يا مجدى.. بقالك أكتر من تلاتين سنة وإنت ماسك طبلة ورق وشغال رقص قدام كل واحد مسؤول أو مهم.. إوعى تصدقه يا سيادة الرئيس.. دا بقى ماركة مسجلة وكل الناس عرفاه، بس هوه لا بيختشى ولا بيحس.. يا سيادة الرئيس الرجل ده استقبل أربعة أو خمسة من الكبار بالطبلة والرق وبعد ما خرجوا بلغ فيهم النيابة.

هز الرئيس رأسه باسما وله ابتسامة غامضة محيرة كأنها ابتسامة الموناليزا، وقال للرهوان:

ــ اهدى يا أحمد يا رهوان.. أنا برضه عارف مجدى الأسمرانى.. وعارف إنه مش لوحده وإن زيه كتير.. اللى ماسكين طبلة ورق موجودين من زمان وفى كل مكان.. المهم اللى يسمع لهم.. شفتنى سمعت لهم أو حتى عبرتهم.. انصرف يا مجدى يا أسمرانى..

وهنا صرخ الرهوان من جديد..

ــ يا سيادة الرئيس دول لا يعرفوا الانصراف، هم يعرفوا الحضور فقط.. وإذا حدث أن انصرفوا أساءوا وأفسدوا.. المتنبى وهو من هو كان يمدح على قدر العطاء ودرجة القرب من الحاكم.. وكان يهاجم عندما يذهب العطاء أو يبعد عن مجلس السلطان أو الأمير.. ومجدى الأسمرانى ومن على شاكلته لابد أنهم يحصدون المكاسب والمنافع.. ولابد من منعهم أو على الأقل التوبيخ وإظهار عدم الرضا، إذ ربما يتراجعون وينصرفون أو يكفون عن الأذى لقد أفسدوا علينا الحياة الدنيا ولم نعد نعرف الحق من الباطل ولا الخطأ من الصواب. عاوزين نكلم الرئيس فى المسائل الجد يا أسمرانى..!!

وفجأة وصل زحف أهل القرية.. لا وجود لقارب أو رئيس.. وإنما هناك عراك عنيف داخل الماء بين أحمد الرهوان وعبود الغزال.. فقد عرف الغزال أن الرهوان قد استهلك بضاعته بالكامل.

الحقوق محفوظة

وحيد حامد

 

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :












Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt