الجغرافيا الاقتصادية لمصر
  الآنتقال الى   
   أعداد سابقة  
 
المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
رياضــــــــــــة  
تحقيقات  
اقتصــــــــــاد  
مساحـــــة رأى  
ملف خاص  
اخبــــار العالم  
حوادث و قضايا  
دراما  
سينما  
برلمان  
السكوت ممنوع  
زى النهارده  
فنون  
أخيرة  
منوعات  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  فصل الخطاب
  سلامات
  يوم ويوم
  معاً
  عابر سبيل
  الكثير من الحب
  على فين
  وجدتــهــا
  دبابيس
  كان وإن
  وجوه على ورق

الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


الجغرافيا الاقتصادية لمصر

  بقلم   د.عبدالمنعم سعيد    ١٣/ ٣/ ٢٠١٨

علمنا الدكتور جمال حمدان فى موسوعته عن شخصية مصر الكثير عن الجغرافيا السياسية للدولة، وتتلمذ على يديه جيل كامل من الناصريين المصريين، وفى مقدمتهم الأستاذ محمد حسنين هيكل الذى ترك جيلا كاملا يعيش مع مفردات العالم المرموق عن الموقع وعبقرية المكان المصرى حتى إنه لن تمر ساعة من حديث مع الأستاذين أحمد الجمال وعبدالله السناوى إلا وتكون كلمتا «الجغرافيا والتاريخ» قد ذكرتا مقرونة بكلمة «الثوابت». بشكل ما فإن ما جاء به حمدان لم يكن إلا تجسيدا علميا لكثير من الأفكار المصرية عن مكان مصر على خريطة العالم والتى جعلتها «قناة السويس» أكثر حساسية لمكانتها بين القارات المختلفة، ومنها جاءت نظرية «الدوائر الثلاث، العربية والإسلامية والأفريقية» لكى تحدد الخطوط الرئيسية لنظرية الأمن القومى المصرية ومفاتيحها لفترة طويلة. وبشكل ما فإن هذه القراءة كانت تقف بوعى أو بدون وعى فى وجه قراءة أخرى للواقع المصرى تدعوها إلى العزلة عن الإقليم والعالم والاكتفاء بما لديها من قضايا كبرى تخصها، ولا تخص غيرها. وهذه بطبيعتها كانت خائفة ومتوجسة من التورط، وترى دوما أن تكلفته عاليه، وأن الاستخلاص التاريخى لتجارب محمد على وإسماعيل وعبدالناصر كانت فى النهاية كارثية على مصر بقدر ما كان فيها من بريق ومجد انتهى إلى هزائم مروعة، تقلصت مصر بعدها، وتراجعت.

وكثيرا ما كان تمجيد «الجغرافيا السياسية» لمصر مستندا إلى الفقر الشديد لجغرافيتها الاقتصادية المعتمدة على نهر منابعه توجد فى يد دول أخرى، ومساحة صغيرة آهلة بالسكان لا تزيد على ٣٪ فى الخمسينيات من القرن الماضى، أو ٧٪ مع القرن الجديد بينما ارتفع عدد السكان من ٢٠ مليون نسمة إلى ١٠٥ ملايين فى الوقت الراهن. وكثيرا ما جرى تفسير تقديم المساعدات والقروض الغربية والشرقية والعربية وفتح أسواقها للعاملين المصريين إلى حاجة كل هؤلاء إلى عبقرية المكان المصرية. ما افتقدته كل هذه الحجج أنها لم تعطِ الأهمية الكافية لأمرين: أولهما، تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات والنقل غيرت وقللت من شأن الجغرافيا فى عموم العالم، وبصفة خاصة فى مصر. وثانيهما أنه ربما كانت الجغرافيا الاقتصادية لمصر لا تقل أهمية مهما كان حال جغرافيتها السياسية؛ فمصر من ناحية بلد بالغ الغنى وليس فقيرا على الإطلاق ليس بمعايير الناتج المحلى الإجمالى وإنما بخصائص ما لديها من موارد بشرية ومادية. وسبق لنا فى كتابات أخرى أن حددنا ما لدى مصر من أربعة أنواع من الثروات «غير المتناهية» أى التى لا تنضب أولها الشمس التى وفقا لما ذكره لى الدكتور فاروق الباز أن حوض سطوعها فى مصر هو الأعلى فى العالم على الإطلاق؛ ولم تكن هناك صدفة أن المصريين القدماء عرفوا ذلك، فجعلوا قرص الشمس رمزا لما هو مقدس. ما يحتاجه هذا المورد مزواجة بينه وبين العلم، ومنذ أيام جرى افتتاح أول محطة معتبرة للطاقة الشمسية فى مدينة أسوان ودخلت منتجاتها بالفعل إلى الشبكة القومية للكهرباء. وثانيها، وصدق أو لا تصدق، المياه الموجودة فى البحرين الأحمر والمتوسط المنفتحين على المحيطين الهندى والأطلنطى، وفى خلجان وبحيرات متصلة بهما؛ ومرة أخرى فإن العلم هنا يعرف كيف لا يعانى المصريون ولا مزروعاتهم العطش أو الجفاف. وثالثها الرمال أو السليكون ذلك المورد الذى يغطى صحراوات مصر الشرقية والغربية شبه جزيرة سيناء هو الآن أحد المكونات المهامة لكافة صناعات التكنولوجيات الحديثة للكمبيوتر والموصلات عالية السرعة والألياف الزجاجية الضرورية للأقمار الصناعية والاتصالات العابرة لأعماق البحر. رابعها، ما تجمع على أرض مصر من حضارات الدنيا فضلا عن نصيبها الخاص منذ فجر التاريخ حتى الآن، وهذه فضلا عما تقدمه لشخصية مصر وهويتها، فإنها ثروة طائلة لا تنضب هى الأخرى، وهى دائما لا تكف عن تذكيرنا بهذه الحقيقة كل يوم.

هذه الثروات اللامتناهية التى لا تنضب ربما تبدو الأبعد منالا لأننا حتى الآن لم نقدم لها لا العلم المتاح فى الدنيا، ولا النظام الاقتصادى الكفيل ببعث ما فيها من غنى لأن الثقافة التى تجمعت لدينا خلال العقود الماضية، وربما منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضى، هى أن الثروة لا تكون محتسبة إلا إذا كانت غازا ونفطا. ولكن بهذا المعيار فإن اكتشاف حقل «ظهر» للغاز ربما يدفعنا فى اتجاه الدولة «النفطية» الريعية وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة لأن الكميات المنتظرة مهما كانت كبيرة فإنها على ضوء الحجم السكانى لمصر لا تزال متواضعة اللهم إلا إذا اتخذنا مسارا آخر يعظم من قيمة «الجغرافيا الاقتصادية » لمصر. ولحسن الحظ أن ذلك ما يحدث فعلا وما يدور حول أن تكون مصر مركزا إقليميا للطاقة بمعنى أنها ليست فقط دولة منتجة للغاز والنفط وإنما مصنعة وناقلة لمصادر متعددة. وفى عددها «شتاء ٢٠١٨» نشرت دورية «كايرو ريفيو» مقالا مهما لديانا سذرلاند بعنوان:

An Industry Report:Energized Egypt Re-

وجاء فى المقال أن الاكتشافات الجديدة لاحتياطيات الغاز الطبيعى والاهتمام بمصادر الطاقة المتجددة من رياح وشمس تبشر بأيام طيبة لمصر ليس فقط بما توفره لها من مصادر للطاقة، أو ما تقدمه من مصادر جديدة للنقد الأجنبى تقوى عملتها وتقلل العجز فى موازنتها وموازينها التجارية والمالية، وإنما أيضا تشغل قاعدتها الصناعية. ولكن ما لم تقوله المصادر المصرية والأجنبية أن هذه الفتوح الجديدة تفتح الباب لاستغلال «الجغرافيا الاقتصادية» لمصر لتحقيق ربما ما لم تحققه الجغرافيا السياسية. أوراق مصر هنا عديدة فهى أولا لديها أكبر أسواق المنطقة المستهلكة للطاقة لأغراض صناعية وإنتاجية، وثانيا أنها الممر والمعبر للطاقة وأنواعها المختلفة سواء كانت قناة السويس أو خط السوميد أو خطوط أنابيب الغاز الموصلة إلى الأردن وفلسطين وإسرائيل وإلى كافة أنحاء وادى النيل، وثالثا وجود مصنعين لتسييل الغاز وتجهيزه للتصدير؛ ورابعا وفرة من الموانئ التى يمكن أن ينطلق منها الغاز على السفن أو عبر الأنابيب إلى أوروبا وكافة أرجاء العالم.

كل ذلك يعطى مصر فرصة كبيرة من خلال شبكاتها الكبيرة للتأثير فى محيطها القائم على التعاون والرخاء المشترك. وإذا كانت صناعة «الحديد والصلب» هى التى وضعت الأساس فى عام ١٩٥٠ ما أصبح بعد ذلك الاتحاد الأوروبى مع مطلع القرن الجديد؛ فإن الغاز والنفط يمكنهما، من خلال مصر أن يلعبا نفس الدور فى منطقتى البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط. ولعل اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التى عقدتها مصر مع السعودية وقبرص، و«الجول» الذى أحرزته مصر بعقد شركة «دولفينوس» المصرية عقدا مع شركة «نوبل» الأمريكية التى تستغل آبار الغاز الإسرائيلية تسير فى هذا الاتجاه. التأثير هو القضية السياسية الأساسية فى الأول والآخر، وهو يحدث بالغنى وليس بالفقر، وبالثروة وليس السلاح بالضرورة، وبالاتصال والتواصل وليس المقاطعة والانقطاع. وربما كان أكثر ما تحتاجه مصر هو تغيير العقلية التى تدربت على «الجغرافيا السياسية» وحدها، بينما «الجغرافيا الاقتصادية» ربما تكون الأكثر فاعلية. وفى كل الأحوال فإن الشرق الأوسط، بعد كل الأهوال التى خاضها، خلال السنوات الأخيرة، يحتاج نوعية جديدة من التفكير، من أجل استقرار الإقليم ومن أجل تقدم مصر.

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :












Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt